ابن أبي الحديد
280
شرح نهج البلاغة
مما فعلت ، كما تبنا ننهض معك إلى حرب أهل الشام ، فقال لهم كلمة مجملة مرسلة قولها الأنبياء والمعصومون ، وهي قوله : أستغفر الله من كل ذنب ، فرضوا بها وعدوها إجابة لهم إلى سؤلهم ، وصفت له ( ع ) نياتهم ، واستخلص بها ضمائرهم ، من غير أن تتضمن تلك الكلمة اعترافا بكفر أو ذنب ، فلم يتركه الأشعث ، وجاء إليه مستفسرا وكاشفا عن الحال ، وهاتكا ستر التورية والكناية ، ومخرجا لها من مظلمة الاجمال وستر الحيلة إلى تفسيرها بما يفسد التدبير ، ويوغر الصدور ويعيد الفتنة ، ولم يستفسره ( ع ) عنها إلا بحضور من لا يمكنه ( ع ) أن يجعلها معه هدنة على دخن ، ولا توقيفا عن صبوح ، وألجأه بتضييق الخناق عليه إلى أن يكشف ما في نفسه ، ولا يترك الكلمة على احتمالها ، ولا يطويها على غرها ، فخطب بما صدع به عن صورة ما عنده مجاهرة ، فانتقض ما دبره ، وعادت الخوارج إلى شبهتها الأولى ، وراجعوا التحكيم والمروق ، وهكذا الدول التي تظهر فيها أمارات الانقضاء والزوال ، يتاح لها أمثال الأشعث من أولى الفساد في الأرض ، سنه الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا قال أبو العباس : ثم مضى القوم إلى النهروان ، وقد كانوا أرادوا المضي إلى المدائن ، فمن طريف أخبارهم أنهم أصابوا في طريقهم مسلما ونصرانيا ، فقتلوا المسلم لأنه عندهم كافر ، إذ كان على خلاف معتقدهم ، واستوصوا بالنصراني ، وقالوا : احفظوا ذمة نبيكم .
--> سورة الأحزاب 62